منذ اندلاع الربيع العربي أول مرة في كانون الأول/ديسمبر 2011، نظر صنّاع القرار في روسيا إلى التطورات الإقليمية بقدر أكبر من القلق من الحكومات الأميركية والأوروبية الغربية. على الصعيد المحلي، كانت الدولة الروسية تخوض صراعاً مع القوميين من مناطق عدة ذات أغلبية مسلمة على مدى أكثر من عقدين. وفي الوقت نفسه، برزت الأحزاب الإسلامية في الشرق الأوسط كأكبر مستفيد من الربيع العربي، ويتساءل المسؤولون الروس عما يعنيه ذلك بالنسبة إلى علاقتها مع الأقليّة المسلمة في روسيا.

ولمناقشة سياسة روسيا في الشرق الأوسط وردّ فعل الجالية الروسية المسلمة على الربيع العربي، استضاف مركز كارنيغي للشرق الأوسط نقاشاً مع أليكسي مالاشينكو، الرئيس المشارك لبرنامج الدين والمجتمع والأمن في مركز كارنيغي موسكو.  تولّى إدارة النقاش بول سالم رئيس مركز كارنيغي للشرق الأوسط- بيروت.

الحقائق في روسيا

  • السكان المسلمون في روسيا: أشار مالاشينكو إلى أن تقديرات السكان المسلمين في روسيا تراوحت عموماً بين 3 و33 مليون نسمة، اعتماداً على ما إذا كان المحلّلون يحصون المتدينين ممن يمارسون الشعائر الدينية فقط أو يشملون الأشخاص الذين لهم انتماءات ثقافية للإسلام. وأشار إلى أن الرقم الحقيقي يبلغ 20 -21 مليون مسلم في روسيا، وهو ما يزيد عن 10 في المئة من سكان البلاد.

  • "الإسلام في روسيا" وليس "الإسلام الروسي": شدّد مالاشينكو على أن هناك سكاناً مسلمين في كل أنحاء روسيا. فموسكو، التي يبلغ عدد سكانها المسلمين أكثر من 1.5 مليون نسمة، هي أكبر مدينة مسلمة في أوروبا. وأضاف أن مناطق أخرى في كل أنحاء روسيا، تعدّ موطناً لمجتمعات فيها أكثر من 10 إلى 20 في المئة من السكان مسلمون.
     
  • الإحياء الديني: قال مالاشينكو إنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، جرت عملية إحياء ديني بين المسيحيين الأرثوذكس والمسلمين الروس. وأضاف أن الكرملين فشل حتى الآن في أن يأخذ بعين الاعتبار احتياجات وتطلّعات الأقلية المسلمة، ما أدى إلى حدوث اضطرابات سياسية.
     
  • التسييس: أضاف مالاشينكو أن تنامي النزعة القومية الروسية والإسلامية أدّى إلى حدوث عملية تسييس ديني، ولم يعالج صنّاع السياسة الروسية حتى الآن هذه المسألة بجدّية.

قلق المسلمين من الكرملين

  • الإحباط: قال مالاشينكو إن المسلمين اتّجهوا إلى الإسلام على نحو متزايد بسبب شعورهم بالإحباط من سياسات الكرملين. ووصف الإرهاب الإسلامي كردّ فعل نهائي ضد سياسات الدولة الفاشلة، والتي عجزت حتى الآن عن تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأقليّة المسلمة في روسيا.
     
  • التصورات الخاطئة الشائعة: أجاب مالاشينكو على اثنين من المفاهيم الخاطئة الشائعة حول المسلمين الروس:
  1. فيدرالية لا انفصالية: شدّد مالاشينكو على أن معظم المسلمين يريدون السلام وأن يعيشوا حياة عادية داخل الاتحاد الروسي، حتى لو لم يتم تحقيق هذا الهدف حتى الآن. وأضاف أن الانفصاليين يمثّلون أقلية صغيرة من المسلمين الروس.
  2. النفوذ العربي المحدود: أشار مالاشينكو أيضاً إلى أن النفوذ العربي في روسيا غير موجود تقريباً، رغم المزاعم التي تقول خلاف ذلك. وأضاف أن الدعم المالي للمسلمين يأتي كلياً من داخل روسيا نفسها.
  • أسباب التغيير: حاول مالاشينكو شرح أسباب صعود القومية الإسلامية والتديُّن:
     
  • ليست مرتبطة التدين: جادل مالاشينكو بأن القومية الإسلامية في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية من التتار، على سبيل المثال، بدأ ينمو فيها العام الماضي مستوى التدّين الذي كان منخفضاً لدى هذه المجموعة.  
     
  • "تدويل الإسلام": يجري إدخال أشكال الإسلام المحافظ مع تدفق المهاجرين المسلمين من آسيا الوسطى والقوقاز. وقال مالاشينكو إن "تدويل الإسلام" أدّى إلى نشوء تفسيرات أكثر تحفّظاّ حيال الإسلام في روسيا.

الكرملين والربيع العربي

جادل مالاشينكو بأن الكرملين لم يُعِرْ الربيع العربي الكثير من الاهتمام عندما اندلع لأول مرة، معتبراً أن الشرق الأوسط و"الإسلامية" الروسية قضيتان مختلفتان. وأوضح بعض الأسباب الكامنة وراء شعور المسلمين الروس بالإحباط تجاه االسياسة الخارجية للكرملين:

  • الإخوان المسلمون في العالم العربي: قال مالاشينكو إنه مع وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وتونس، بدأ المسلمون الروس يتساءلون عن السبب في تطوير الكرملين العلاقات معهم بينما يتجاهل الجالية المسلمة في روسيا.
     
  • سياسات الكرملين المتناقضة: لاحظ المسلمون الروس أن في حين طوّر الكرملين علاقاته مع جماعة الإخوان المسلمين في البلدان الأجنبية، واصل النظر إلى فرع الجماعة في روسيا باعتباره منظمة إرهابية. وأوضح مالاشينكو أن هذا التضارب يساعد في تفسير تزايد النشاط السياسي الإسلامي في روسيا.
     
  • سورية: ذكر مالاشينكو أن المسلمين الروس كانوا لايعيرون سورية الكثير من الاهتمام في البداية. ومع ذلك،  بدأ المسلمون الروس، في بداية العام 2013، بدعم المعارضة الإسلامية. وقال مالاشينكو إنه في حين أن المسلمين الروس ليسوا ضد بوتين أو الدولة الروسية، فإنهم عارضوا بشار الأسد ورفض حتى المسلمون الموالون قبول السياسة الخارجية الروسية تجاه دمشق.

الخلاصة

بدا مالاشينكو متردّداً في استنتاج تنبؤات كبرى، لكنه جادل بأن تأثير الإسلام الروسي سيستمر في النمو بسبب الشعور بالإحباط تجاه سياسات الكرملين، ونتيجة لتزايد الهجرة من آسيا الوسطى. وقال مالاشينكو أيضاً إن الكثيرين من الروس يخافون من الإسلام، وازداد خوفهم منذ اندلاع الربيع العربي، وهي عوامل قد تؤدّي إلى مزيد من الصراع.